الأمير الحسين بن بدر الدين

118

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

الوجه الثاني : قول اللّه سبحانه : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الأنعام : 103 ] . ووجه الاستدلال بالآية أن اللّه تعالى تمدّح بنفي إدراك الأبصار عن نفسه تمدّحا راجعا إلى ذاته . وإدراك الأبصار هو رؤيتها « 1 » . وكل ما تمدّح اللّه تعالى بنفيه فإثباته نقص ، والنقص لا يجوز عليه في حال من الأحوال . فثبت أنه تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة . وإنما قلنا : بأن اللّه تعالى تمدّح بنفي إدراك الأبصار عن نفسه ؛ لأنّ ذلك مما لا خلاف فيه بين المسلمين ؛ ولأنه متوسّط بين أوصاف المدح ؛ فإن اللّه تعالى قال : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الأنعام : 101 - 103 ] ، فأول الآية مدح وآخرها مدح فيجب أن يكون قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ مدحا أيضا ؛ لأنه لا يجوز أن يتوسط بين أوصاف المدح ما ليس بمدح ، بل يكون ذلك مستهجنا عند الفصحاء ، معيبا عند البلغاء . وكلام اللّه تعالى يجب أن ينزل من الفصاحة أعلاها . فثبت أنه تمدّح بنفي إدراك الأبصار عن نفسه . وإنما قلنا : بأن التمدّح راجع إلى ذاته ؛ لأنه تعالى بيّن بذلك أنّ ذاته لا تدرك ؛ ولأنه لو كان راجعا إلى غيره « 2 » لم يعقل إلا نفي فعل من الأفعال ، وذلك لا يتحقق إلا في الإدراك لو

--> ( 1 ) في ( ب ) : رؤيتهما . ( 2 ) قال الأمير رحمه اللّه : ولأنه لو كان راجعا إلى غيره لم يعقل إلا نفي فعل . . .